الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى وبعد :
فيسرنا أن نقدم لكم تفريغاً لمحاضرة بعنوان ( زكاة الفطر )
ألقاها فضيلة الشيخ العلامة : محمد بن سعيد رسلان
- حفظه الله ورعاه -
وإليكم النص :
بــسـم اللـه الرحمــان
الرحيــم
إنّ الحمد لله ، نحمد ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله
من شرور أنفينا ، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي
له ، وأشهد ان لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله
، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أمّا بعد :
فإنّ أصدق
الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ،
وشرّ الأمور مُحدثاتها ، وكُلّ مُحدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار
أمّا بعدُ :
فإنّ الله – تبارك وتعالى – شرع لنا في ختام شهر رمضان
أن نؤدي زكاة الفطر قبل صلاة العيد ، وزكاة الفطر لها حُكمٌ ، وحكمةٌ ، وجنسٌ ،
ومقدارٌ ، ووقت وجوب ، ومكان صرف.
حكمـــــــها :
فأمّا حكمها : فهي فريضة فرضها رسول الله – صلى الله
عليه وآله وسلم – على المسليمين ، وما فرضه رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أو أمر به فله حكم ما فرضه الله – تعالى –
أو أمر به ، لأن الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – لا ينطق عن الهوى ، وإنّما هو
مُبلّغٌ عن ربّه – تبارك وتعالى - ، فقد قال الله – جلّ وعلا – { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى
فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً }[ النساء :
80 ] ، وقال – جلا وعلا - : { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ
الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }[ النساء :
115 ] ، فزكاة الفطر فريضة فرضها الله – تبارك وتعالى – على
لسان رسوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وقد قال ربنا – جلا وعلا - : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }[
الحشر : 7 ] ، وزكاة الفطر فريضة على الصغير ، والكبير ،
والذكر ، والأنثى ، والحر ، والعبد ، من المسليمين ، فهي فريضة على الرؤس ، فريضة على
الصغير ، والكبير ، والذكر ، والأنثى ، والحر ، والعبد ، من المسليمين ، قال عبد
الله ابن عمر – رضي الله عنهما – كما في الصحيحين [
فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير
والكبير من المسليمن ] ، وهل تجب على الحمل في البطن أو لا تجب ؟ لا تجب
على الحمل في البطن إلا أن يتطوع بها ، فلا بأس حينئذ ، إذا تطوع وليه عنه فأخرج
زكاة الفطر عن الحمل الذي في البطن فلا بأس ، فقد كان أمير المؤمنين عثمان – رضي
الله عنه – يُخرجها عن الحمل ، ويجب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وكذلك عن من تلزمه
مؤونته من زوجة أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم ، فإن إستطاعوا فلأولى
أن يخرجوها عن أنفسهم ؛ لأنهم المخاطبون بها أصلا ، فإذا كانت المراة ذات مال
فالأولى أن تخرج هي زكاة الفطر من مالها ؛ لأنها مُخاطبةٌ بها أصلاً ، فيجب
إخراجها عن نفسه ، وكذلك عن من تلزمه مؤنته من زوجة أو قريب إذا لم يستطيعوا
إخراجها عن أنفسهم ، فإن إستطاعوا فالأولى أن يُخرجوها عن أنفسهم ، لأنّهم
المُخاطبون بها أصلا ، ولا تجب إلا على من وجدها فاضلةً زائدة عن ما يحتجاه من
نفقة يوم العيد وليلته ، فإن لم يجد إلا أقل من صاع أخرجه ، إذا لم يجد إلّا أقل
من صاع فاضلا زائداً عن حاجته ونفقته يوم العيد وكذا في ليلته أخرج أقل من الصاع ،
والواجب عليه صاع ، فيُخرج حينئذ ما يجد ، لقول الله – تبارك وتعالى - : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }
[ التغابن : 16 ] ، ولقول النبي – صلى الله عليه وعلى
آله وسلم – [ إذا أمرتكم بأمر فأتوا به منه ما
استطعتم ] والحديث في الصحيحين ، فهذا حكمُ زكاة الفطر : ( واجبة وفريضة )
، فرضها رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – على المُسليمين ، وهي واجبة
وفريضة على الكبير ، والصغير ، والذكر ، والأنثى ، والحر ، والعبد من المسليمين
، يُخرجها عن نفسه وعن من تلزمه مؤنته من
زوجة أو قريب ؛ إلا إذا إستطاعوا هم ، وكانوا مالئين فإنّهم حينئذ يُخرجونها عن
أنفسهم فذلك الأولى ، لا تجب إلا على من وجد صدقة الفطر ، ( أي الصاع ) فاضلاً
زائداً عن ما يحتاجه في يوم العيد وليلته ، فإن لم يجد إلا أقل من صاع - والذي يجب
عليه هو الصاع – فإنه يخرج ذلك الأقل ما دام زائداً فاضلاً عن نفقته ونفقة من يعول
في يوم العيد وليلته ، لقول الله – تبارك وتعالى - : {
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[ التغابن :
16 ] ولقول رسول الله – صلى الله عليه
وسلم - : [ إذا أمرتكم بأمر فأتوا به منه ما استطعتم ]
، ولا تجب على الحمل في البطن إلا أن يتطوّع بها هو . هذا حكم زكاة الفطر .
حكمــــــتها :
وأمّا حكمتها : فظاهرة – بل ظاهرةٌ جدّا – ففيها
إحسانٌ إلى الفقراء وكفٌّ لهم عن السؤال يوم العيد ، ليُشاركوا الأغنياء في فرحهم
وسرورهم بالعيد ، وليكون العيد عيداً للجميع ، ففيها الإتصاف بصفة الكرم ، وحُبّ
المواساة ، وفيها تطهيرٌ للصائم مما يحصل في صيامه من نقص ولغو وإثم ، وفيها إظهارُ شكر نعمة لله – تبارك تعالى – على
العبد بإتمام صيام الشهر وقيامه وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة فيه ، عن ابن
عباس – رضي الله عنهما – قال : [ فرض رسول – صلى
الله عليه وسلم – زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطُهرة للصائمين ،
فمن أداها قبل الصلاة ( يعني صلاة العيد ) فهي
زكاة مقبولة ، ومن أدها ( أي أخرجها ) بعد
الصلاة ( أي بعد صلاة العيد ) فهي صدقةٌ من
الصدقات ] وفرّق في الواجب المفروض عليه من إخراج زكاة الفطر ، فإن أدّها
قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ، والحديث
حديثٌ حسن ، أخرجه أبو داوود وابن ماجة ، وفيه نص على الحكمة من إخراج زكاة الفطر
، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما أدّى معناه ابن عباس – رضي الله
تعالى عنهما – [ فرض رسول الله صلى الله عليه
وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين ] ، ففي إخراجها إغناءٌ للمساكين عن مد اليد والتكفف يوم العيد ، وفي إخراجها
محوٌ للأحزان تحيط بالأنسان في يوم جعلها الله – رب العالمين – يوم حبور وفرح
بنعمة الله – تبارك وتعالى - على المسليمين ، بما أدوّ من فرض الصيام وسُنّة
القيام في شهر رمضان لأنّ العيدين – كما
هو معلوم – يكونان بعقب أداء فريضة عظيمة من فرائض رب العالمين ، وركن من أركان
الإسلام العظيم ، فعيد الفطر بعقب أداء فرض الصوم في رمضان ، وأمّا عيد الأضحى
فإنه بعد إتمام عظم الحج – كما هو معلومٌ – في مناسكه ، فالإنسان يفرح بنعمة الله
عليه ، بما أدّى من طاعة الله { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }[يونس : 58 ] ، فالحكمة
في فرضيّة زكاة الفطر ظاهرةٌ جدّا .
جنــــس الفطــــــرة :
وأمّا الجنس الواجب في
الفطرة - والفطرة هي زكاة الفطر- : فهو طعام الأدميين من تمر ، أو برّ ، أو أرز ،
أو زبيب ، أو أقط ، ( والأقط : هو اللبن المُجفف لم تُنزع زُبدته ) أو غير ذلك من
طعام بني آدم ، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال : [
فرض رسول الله – صلى الله عليه وسلم-
زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ] وكان الشعير يوم ذاك
من طعامهم ، وهذا رواه البخاري في الصحيح ، والصاع أربعة أمداد ، والمُدُّ : (
حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفيّن ) ، والصاع أربعة أمداد ، المدُّ أن تأخذ بجماع
يديك ، ( حفنة بكفي الرجل المُعتدل الكفين ) هذا مُد ، مدٌّ ومدٌّ ومدٌّ وآخر ،
أربع أمداد ، هذا هو الصاع ، فأربعة أمداد من الطعام ، من تمر ، أو بر ، أو أرز ،
أو زبيب ، أو أقط ، أو غير ذلك من طعام بني آدم ، لأن النبي – صلى الله عليه وآله
وسلم – فرض زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمْر أو صاعاً من شعير ، وكان الشعير يوم
ذاك من طعامهم كما قال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه – [
كُنّا نخرج زكاة الفطر في عهد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - صاعاً من طعام ،
وكان طعامُنا الشعيرَ ، والزبيبَ ، والأقط ، والتمر ] ، والحديث أخرجه
البخاري في الصحيح ، فهو من طعام بني آدم تُخرج صاعاً من طعام بني آدم ، من الأرز
، أو البر ، أو من الدقيق ، أو من التمر ، إلى غير ذلك مما هو طعام بني آدم ، فلا
يُجزئ إخراج طعام البهائم ، لأنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – فرضها طُعمة
للمساكين لا طُعْمة للبهائم ، ولا يُجزئ إخراجها من الثياب ، ولا من الفُرش ، ولا
من الأواني ، ولا من الأمتعة ، ولا من غير ذلك مما سوى طعام الأدميين ، لأنّ النبي
– صلى الله عليه وآله وسلم - فرضها من
الطعام ، فلا تتعدّى ما عيّنه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولا يُجزئ
إخراج قيمة الطعام - كما هو الشائع في هذه الأيام – لا يُجزئ إخراج قيمة الطعام ،
لا يُجزئ ، ومن أخرجها من القيمة فعليه أن يُعيد ذلك وأن يُخرجها مرة أخرى من
الطعام كما فرضها رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - ، لا يُجزئ إخراج قيمة
الطعام لأنّ ذلك خلاف ما أمر به النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد ثبت عن
الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – قوله : [ من عمل
عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ] ، والحديث عند مُسلم في الصحيح من رواية
عائشة – رضي الله عنها - ، وأخرجه البخاري معلقاً مجزوماً به ، وأمّا الرواية التي
في الصحيحين فهي : [ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه
فهو رد ] ، فمن عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ( وردٌّ : يعني مردرود ) فهو
مردودٌ عليه ، فإذن إذا خالف النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما فرض فهذا
مردودٌ عليه ، ولا يُجزئ حينئذ عنه بإسقاط الفرض الذي هو مُطالبٌ به ، إخراج
القيمة مُخالفٌ لعمل الصحابة – رضوان الله عليهم – حيث كانوا يُخرجونها من طعام ،
وقد قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : [ عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ] ، وزكاة الفطر عبادة ، وهي
عبادة مفروضة من جنس معين فلا يُجزئ إخراجها من الجنس المُعين ، كما لا يُجزئ
إخراجها في غير الوقت المعين فإنّ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال : [ فمن أدّها قبل الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات ] ،
فلم تُجزئ عنه ، ولم تُسقط الفرض الذي قصّر في أداءه ، لأنه إنّما أدّها بعد
الصلاة ، لها وقت ، وكذلك لها جنس ، ولابد من إلتزام هذا وهذا ، وإلا لا يكون
آتياً بما كُلّف به ، فالعبادات توقفية لا بد فيها من الوقوف عند حدود النص ، ومن
خرج عن الوارد عن نبينا – صلى الله عليه وآله وسلم – فقد أساءة وتعدّى وظلم ، لا
يُجزئ إخراجها من غير الجنس المُعين ، كما لا يُجزئ إخراجها في غير الوقت المُعين
، ولأنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – عينها من أجناس مُختلفة ، وأقيامها مُختلفة
في الغالب ، فلو كانت القيمة مُعتبرة لكان الواجب صاعاً من جنس وما يُقابل قيمته
من الأجناس الأخرى ، ولكنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – حدد فيها أجناساً وهذه
الأجناس المُختلفة ، وهي مُختلفة في قيمتها ، فكيف تُضبطُ القيمة إذن ؟ ، إخراج
القيمةُ يُخرج الفطرة عن كونها شعيرةً ظاهرة إلى كونها صدقة خفيّة ، لأنّ إخراجها
صاعاً من طعام يجعلها ظاهرة بين المُسليمين ، ومعلومة للصغير والكبير ، يُشاهدون
كيلها وتوزيعها ويتبادلونها بينهم ، بخلاف ما لو كانت دراهم يُخرجها الإنسان خُفية
بينه وبين الآخر ، وقد كان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – تُجمع على عهده صدقة
الفطر في المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يُعين عليها
حارساً ، كما في الحديث الصحيح – وهو حديث مُعلّقٌ وهو موصولٌ من غير طريق –
في قصة أبي هريرة لمّا كان على تمْر الصدقة ، فجاء جاء ، وأتى آت ، فحثا من تمر
الصدقة حثوات ، فأمسك به أبو هريرة وقال : " لأرفعنّك إلى رسول الله " فشكى حاجة وعيال فأطلقه ، فلمّا صلّى الصبح خلف النبي – صلى الله عليه وعلى
آله وسلم – فقال : [ يا أبى هريرة ما فعل أسيرك
البارحة ؟ ] ، قال : " شكى حاجة وعيال فأطلقته " ، قال : [ كذبك وسيعود ] ، فعاد في الليلة بعدها ، ففعل مثل
ما فعل في الليلة التي قبلها ، وقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – مثل ما قال :
[ كذبك وسيعود ] ، فلمّا عاد في الثالثة أمسك
به وقال : "
لأرفنّك هذه المرة إلى رسول الله " ، قال : "
أعلمك كلمات وتُطلقني " ، قال : " أفعل " ، قال : "
قل إذا أصبحت وإذا امسيت وإذا اخذت مضجعك { الله لا
إله إلا هو الحي القيوم } أية الكرسي ، فإنّه لا يزال عليك حافظ ولا يقربك
شيطان " ، فأطلقه ، فلمّا
صلّى خلف النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : [ ما
فعل أسيرك البارحة يا أبى هريرة ! ] ، قال : قال : " إعلمك كلمات فتطلقني ، فعلمني
كذا " ، فقال النبي – صلى الله
عليه وآله وسلم- : [ صدقك وإنّه لكذوب ، تعلم من تكلم
منذ ثلاث – يا أبا هريرة - ! ذاك الشيطان ] ، بعض أهل الزيغ الضلال يقول :
نحن نتعلم من بعض أهل البدع والضلال والزيغ والهوى لأننا نتعلم حتى من الشيطان ،
بدليل أنّ أبى هريرة أطبق ذالك الشيطان لمّا قال له ما قال بشأن أية الكرسي ،
هؤلاء يُريدون أن يتعلموا من الشيطان ، لا شأن لنا بهم ، وأمّا أهل السنة فيقولون
: لولا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – إعتمد هذا الذي قاله الشيطان ما إلتفتنا
إليه ، أيكون سندنا في أعلى ما يكون إلى الشيطان ! ، لولا أنّ النبي – صلى الله
عليه وسلم – قال : [ صدقك ] فاعتمدها ، ما
قبلناها لأن إسناد أبي هريرة كان سيعود إلى من في أعلى درجاته إلى الشيطان ! ،
أخذها من الشيطان ! ، هذا يُقبل في دين الله - تبارك وتعالى - ! ، فأهل الزيغ
والضلال ختم الله على قلوبهم ، يقولون نأخذ من كل أحد ولو من الشيطان ! ، خُذوا من
الشيطان .
مقدارهــــا :
مقدار الفطرة – أي زكاة
الفطر – صاعٌ بصاع النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – الذي يبلغ وزنه بالمثاقيل
أربع مائة وثمانين مثقال من البر الجيد ، وبالجرمات يبلغ كيلويين اثنين وخُمسي عشر
كيلوا ( يعني أربعين جراماً ) ، خمسي عشر كيلوا جرام ( يعني أربعين جراماً )
من البر الجيد ، ولذلك يكون هذا الامر آيلاً بحسابه إلى زنة المثقال ، زنة المثقال ( أربعة جرامات وربع ) فيكون فيكون أربعمائة
وثمانين مثقالاً ، ألفي جرام وأربعين جراماً ، كيلوين وأربعين جراماً ، هذا هو صاع
النبي – صلى الله عليه وسلم – فإذا أردت أن تعرف الصاع النبيوي فزن ( أوزن )
كيلوين واربعين جراماً من البر ( القمح الجيد ) في إناء بقدرها ، يكون هذا الموزون
قد وصل إلى علامة معينة ، إمّا أن يكون قد وصل إلى أقصى ما عندك من ذلك الإناء ،
وإمّا إلى علامة مُعينة ، فهذا هو صاع رسول الله ، ثُمّ كل به ، تجعل إلى تلك
العلامة أُرزاً ، تمراً ، زبيباً ، أقطاً ، ما شئت من طعام بني آدم ، هذا هو صاع
الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، كيف نعرفه ؟
، نأتي بكيلوين وأربعين جراماً من البر الجيد ، نجعلها في إناء ، إلى أقصاه
، وإمّا إلى علامة بعينها ، ثُمّ بعد ذلك نكيل بهذا الإناء ، إلى تلك العلامة أو
إلى أقصاه ، إن كان البر قد ملأه إلى أقصاه ، نكيل به ما شئنا من طعام بني آدم ،
فتختلف في أوزانها ، تختلف حينئذ في أوزانها ، ولكن هذا هو الصاع لأنه أربعة أمداد
بكفي الرجل المتوسط الكفين – كما مر - ، هذا مقدارها ، مقدار الفطرة ، صاعٌ بصاع
رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وقت وجوبـــها :
وقت وجوب الفطرة من غروب
الشمس ليلة العيد ، من غروب الشمس في ليلة العيد تجب عليك ، فمن كان من أهل الوجوب
حين ذاك وجبت عليه وإلا فلا ، لماذا نعرف هذا التحديد ؟ ، لأنه يترتب عليه عمل ،
إذا مات قبل الغروب ولو بدقائق لم يدخل عليه وقت الوجوب فلم تجب عليه الفطرة ، وإن
مات بعد الغروب ولو بدقائق فقد مات في وقت الوجب فيجب إخراج فطرته عنه ، لو ولد
مولودٌ بعد الغروب ولو بدقائق لم تجب فطرته ؛ لكنّ يُسنُّ إخراجها – كما سبق - ،
وإن ولد قبل الغروب ولو بدقائق ، وجب إخراج الفطرة عنه ، وإنّما كان وقت وجوبها
غروب الشمس من ليلة العيد ، لأنه الوقت الذي يكون به الفطر من رمضان ، وهي مُضافة
إلى ذلك ، فيقال زكاة الفطر من رمضان ، فكان مناط الحكم ذلك الوقت ، وأمّا زمن
دفعها فهذا زمن الوجوب ، بغروب الشمس من ليلة العيد ، وأمّا زمن دفعها فله وقتان :
وقت فضيلة ، ووقت جواز ، فصار عندنا ثلاثة أوقات ، وقت الوجوب : ( وهو غروب الشمس
من ليلة العيد) ، ووقت الفضيلة ، ووقت الجواز ، وقت الفضيلة : ( صباح العيد قبل
الصلاة ) للذي ورد عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنها - : [ كنّا نُخرج في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم
الفطر صاعاً من طعام ] ، وفيه أيضا من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن
النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر بزكاة
الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة ، فهذا وقت الفضيلة ، قال ابن عُيينة – في تفسيره
- عن عمر ابن دينار عن عكرمة قال : "
يُقدّم الرجل زكاة الفطر يوم العيد بين يدي صلاته فإنّ الله يقول : { قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلى } فجعل هذه
لهذه " ، فيُقدم زكاة الفطر
قبل صلاة العيد { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى }
، لذلك كان من الأفضل تأخير صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج الفطرة ، هذا
وقت الفضيلة ، وأما وقت الجواز : فهو قبل يوم العيد بيوم أو يومين ففي صحيح
البخاري عن نافع قال : "
كان ابن عمر يُعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يُعطي عن ثنيّة وكان يُعطيها الذين
يقبلونها " ، وكانوا يعطون قبل
الفطر بيوم أو يومين ، فهذا وقت الجواز بيوم أو يومين ، ليس بإسبواع ولا إسبوعين ،
ولا شهر ولا شهرين ، لأنّ الأحناف خالفوا في الأمور كثيراً لأنّهم – كما هو معلوم –
لا يلجأون إلى الأثار دائماً ، وهم يقولون بالقيمة ، ولم يُخالف إلا أبو حنيفة –
رحمه الله - ، إمامٌ مُعتبر متبع لا خلاف على هذا ، وليس من الحق من شأن أي إمام
من الأئمة إذا ما خالف سنّة الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يُقال خالف ، هذا لا
يحط من قدره ، لأنه قد صحَّ عنهم جميعاً قولهم : " إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي " ، فلأئمة الأربعة صحّ عنهم هذا القول العظيم " إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي
" ، وكما قال الإمام الشافعي
: " إذا
جاءك القول من قولي لما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فاضرب بقولي عرض
الحائط ولا تلتفت إلى قولي ومن يكون المرء حتى يُخالف رسول الله " فأنت إذا خالفت الإمام في ما خالف فيه ؛ لأن السنّة لم
تصله ، أو لأنّ الحديث لم يكن عنده مما يُعمل به ، كأنّ يكون مُعارضاً بما أقوى
منه في نظره ، أو أن يرى أنّه منسوخ ، أو لا تتبين له الدلالة منه ، إلى غير ذلك
مما يعرض للأئمة ؛ لأنه لا يُعقل أن يُخالف إمام من أئمة المسليمين سُنّة النبي
الأمين ، ولكنّ أبى حنيفة – رحمه الله - خالف في هذا الأمر ، كما خالف في مسألة
الولي ، ولذلك نقول للذين يقولون بالقيمة قولاً واحداً ، ويقولون لنا إمام معتبر –
هو معتبر وهو إمام – ولكنّه خالف في هذا الأمر ، لأنّ هذا لم يثبت عن النبي – صلى
الله عليه وسلم – ولا عن الصحابة ، ولا من بعدهم في عصرهم ، فالأئمة الثلاثة
أليسوا بمُعتبرين ؛ الأمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أحمد ، كلهم على عدم
إجزاء القيمة قوْلاً واحداً ، فالمسألة ليست إنتقاء ، يعني أنت تنتقي ، لأنك إذا
أخذت برخصة كل إمام تجمّع فيك الشر كلّه ، فنقول للذين يقولون هي القيمة قوْلاً
واحداً أخذاً بقول أبي حنيفة –رحمه الله تعالى - ، نقول : وقد قال أبو حنيفة : " أنّ المرأة تُزوّج نفسها
" فهل تقبل أن تُزوّج ابنتك
نفسها ثُمّ تأتي بزوجها وتدخل به عليك ! ، فهو يقول : هذا لا شيء فيه ، هل ترضى
هذا لابنتك ، أو لأختك ، نحن نسأل ! ، لماذا تقبل هذا ولا تقبل هذا ؟ ، فإذا خالف
الإمام في مسألة من المسائل نعود إلى ما صحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
، ولا ينقص هذا من قدر الإمام في شئ ، لأنني أتبعه ، عند مخالفته أكون مُتّبعاً له
، كيف أكون مُتّبعاً له عند مُخالفتي إيّاه ؟ لقوله هو – فكلهم صحّ عنهم - : " إذا صحّ الحديث فهو مذهبي
" ، فإذن أنا إذا أخذت
بالحديث الصحيح أكون مُتبعاً للإمام عند مُخالفة الإمام ، لأنه هو أمر ، قال : " إذا صحّ الحديث فهو مذهبي
" ، وقت الجواز – كما مر –
قبل العيد بيوم أو يومين ، الأحناف يرون أنه يجوز أن تخرج زكاة الفطر من أوّل
رمضان ، فكيف تكون طُعمة للمساكين في يوم العيد ، وكيف تكون إغناء ، هذا مُصادم
للحكمة التي لأجلها فُرضت ، ثُمّ إنّها تكون إظهاراً لنعمة الله - تعالى – على
العبد بتوفيق الرب له – سبحانه وتعالى – لأداء فرض الصيام وسنّة القيام وما
تيسر من الأعمال الصالحة ، فكل هذا ينتفي عندما نقول نُخرج زكاة الفطر من أوّل يوم
من رمضان ، وإنّما نَتّبع الوارد عن الرسول – صلى الله عليه وسلّم – وعن صحابته ، لا يجوز
تأخيرها عن صلاة العيد فإنّ أخرها عن صلاة العيد بلا عذر لم تُقبل منه ، لأنها
خلاف ما أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وقد مرّ حديث ابن عبّاس – رضي
الله عنهما – : [
من أدّها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات ] ، أمّا إن أخرها لعذر فلا بأس ، فكأنْ يُصادفه العيد
بعيداً ، كأنْ يكون ذاهباً في سفر وليس عنده ما يدفع منه ، أو من يدفع له ، فليس
عنده ما يدفه منه ، أي المال الذي يدفع منه الفطرة ، يعني ستشتري بها ما يُخرج به
زكاة فطره ، فليس عنده ما يدفع منه ، أو من يدفع له ، يعني لا يعرف فقيراً ، يكون
في بلد -هو فيه غريب - إلى غير ذلك من هذه الأمور ، أو يأتي خبر ثبوت العيد
مُفاجأً ، بحيث لا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة ، أو يكون مُعتمدا على إنسان قد
وكله في إخراجها فينسى أن يخرجها ، فلا بأس أن يُخرجها ولو بعد العيد ، لأنه
معذورٌ في ذلك ، والواجب أن تصل إلى مُستحقيه أو وكيله في وقتها قبل الصلاة ، فلو
نواها لشخص ولم يُصادفه ، ولا صادفه وكيله وقت الإخراج ، فإنه يدفعها إلى مُستحق
آخر ولا يُؤخرها عن وقتها ، يعني يقول سأخرج زكاة الفطر لهذا العام لفلان ، فلا
يُصادفه بقدر الله ، أو وكّل فلاناً ليخرجها لفلان ، فهذا الوكيل لم يُصادف بقدر
الله ذلك الذي عُين ، لا ينتظر عليه ، وإنما يُخرجها لمستحق آخر ولا يؤخرها عن
وقتها .
مكان دفعها :
تُدفع إلى فقراء المكان
الذي هو فيه وقت الإخراج ، سواء كان وقت إقامته أو غيره من بلاد المسليمين ، يعني
إذا كنت في عمرة في رمضان ودخل عليك العيد فإنك تُخرج زكاة الفطر من رمضان لفقراء
مكة ، في المكان الذي أنت فيه ، لأنّ زكاة الفطر واجبةٌ مفروضة على الرؤس ، فحيثُ
وجدت الرأس وجب الإخراج ، فمكان دفعها :
تُدفع لفقراء المكان الذي أنت هو فيه وقت الإخراج ، سواء كان محل إقامته أو غيره
من بلاد المسليمين ، لاسيما إن كان مكانا فاضلاً كمكة والمدينة ، أو كان فقراءه
أشد حاجة ، فإذا كان في بلد ليس فيه من يدفع إليه ، أو كان لا يعرف المُستحقين فيه
، وكّل من يدفعها عنه في مكان فيه مُستحق ، يعني إذا كان في بلد ليس فيه من يدفع
إليه ، ليس فيه مُستحق لزكاة الفطر ، الناس كلهم أغنياء ، الناس كلهم يجب عليهم
إخراج زكاة الفطر - كما هو في مصر - إذاً يُخرجونها في الصومال ، فليس عندنا فقراء
نًخرج إليهم زكاة الفطر ، فنجمعها قيمة ونخالف ونَغُرْ المسليمين ونخدعهم ؛ لأنّ
هذا لا يُجزئ عنه ، فنأخذها منهم مالاً ! ، هذا لا يُجزئ ، ثُمّ نجعلها في غير
موطنه الذي ينبغي أن تُدفع فيه ، لأننا إكتفينا – والحمد لله رب العالمين - ،
المُستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء ، ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفائها ، فيعطون
منها بقدر حاجتهم ، ويجوز توزيع الفطرة على أكثر من فقير ، ويجوز دفع عدد من الفطر
( أي من زكاة الفطر ) إلى مسكين لأنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قدّر الواجب ،
ولم يُقدّر من يُدفع إليه ، وعلى هذا فلو جمع جماعة فطرهم في وعاء واحد بعد كيلها
، وصاروا يدفعون منها (من زكاة الفطر ) بلا كيل ، لا يكيلون مرة ثانية ، أجزأهم
ذلك ، لكن ينبغي أنهم يعلمون الفقير أنهم لا يعرفون مقدار ما يدفعون إليه ، لماذا
؟ ، لأن لا يغترّ به فيقوم هو بدفعه عن نفسه ، لأنّ الفقير عندما تُعطيه ويصل
الأمر إلى حد الكفاية عنده ، بمعنى أنه صار عنده في يوم العيد وفي ليلته كفايته
وزاد عنده شئ على ذلك ، فقد وجب عليه هو أيضاً أن يُخرج زكاة الفطر ، مُجتمعٌ
متكافل ، هذا هو المُجتمع الذي أراده الله – رب العالمين - ، بإنشاء أمة محمد –
صلى الله عليه وآله وسلم – وببعثة رسول الله ، لو أنّ المسليمين اتقوا ربهم –
تبارك وتعالى – ما وجد في الأرض مُحتاج من المسليمن ، لتكافلوا ، وتناصروا ، وتعاطفوا
، وتساندوا ، وتعاضدوا ، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحُمّى ، ولكنّ النفوس فيها كثيرٌ من الآفات والأمراض ، نسأل الله أن
يُطهر قلوبنا أجمعين ، هذا هو ما يتعلق بهذا الأمر من هذه الفريضة التي فرضها
رسوله رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم - ، وأسأل الله رب العالمين بأسمائه الحسنى
وصفاته المُثلى أن يُعلمنا ما ينفعنا ، وأن ينفعنا بما علمنا ، وأن يزيدنا علما .
وصلى الله وسلم على نبينا
محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
تم الإنتهاء من التفريغ – بفضل الله - في :
ليلة الاحد : 12 / رمضان / 1434 هــــ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق